01المجتمع والهويةمقالة تحريرية
سؤال الهوية السورية المعاصرة
ماذا يعني أن تبقى الثقافة السورية حيّة في ظل تحوّلات عميقة؟ لا يمكن اختزال الإجابة في أسلوب بصري، أو في مجموعة من العادات الموروثة، أو في رواية ثابتة عن الهوية الوطنية. إنها تبدأ بالنظر في الطريقة التي يعيش بها الناس ويعملون ويتذكّرون ويتكيّفون ويبدعون.
- Byline
- مؤسسة المجتمع السوري — هيئة التحرير
- Reading time
- 4 دقائق قراءة
منظور تحريري أوّلي صادر عن المبادرة، وليس خلاصة لبحث مكتمل.

تأتي أسئلة الهوية عادةً مصحوبةً بمطالبة بإجابات. ففي أوقات الاضطراب يبحث الناس عن شيء ثابت يتمسّكون به، وقد يبدو أن وصفاً واحداً لـ«مَن نحن» يقدّم ذلك. غير أن هذه الأوصاف نادراً ما تكون محايدة؛ فهي تحدّد أيّ التجارب تُعدّ نموذجية، وأيّ المناطق أو الجماعات تُقدَّم بوصفها ممثّلة للكل، وأيّ أنماط العيش تُعامَل على أنها انحراف عن القاعدة.
الهوية بوصفها ممارسة
ربما تكون نقطة الانطلاق الأجدى أن ننظر إلى الهوية بوصفها شيئاً يفعله الناس لا شيئاً يمتلكونه. فهي تظهر في الطريقة التي تدبّر بها أسرةٌ شؤون بيتها، وفي استخدام حيٍّ ما لشارعه، وفي حكم الحرفي على مادته، وفي انتقال المرء بين اللهجات بحسب من يصغي إليه. وهذه الممارسات ليست جامدة، بل تتغيّر مع الهجرة والأسعار والتكنولوجيا والتعليم وقدوم جيران جدد.
ولا يعني هذا النظر تذويب الهوية في العدم. فثمة مرجعيات مشتركة: الطعام والموسيقى والأمثال وأساليب الضيافة وأساليب الجدال. لكن المرجعيات المشتركة شيء، والتعريف المشترك شيء آخر. قد يعرف شخصان المثل الشعبي نفسه ويستخلصان منه نتيجتين متعاكستين، والثقافة الحيّة تتّسع لهذا الاختلاف.
جاذبية المرئي
حين تُناقَش الهوية علناً، كثيراً ما تُمثَّل بأكثر سطوحها ظهوراً: الزخارف، والتفاصيل المعمارية، والأزياء، وعدد قليل من الأطباق. لهذه السطوح قيمتها، لكنها قد تتحوّل إلى اختزال يحلّ محلّ الانتباه إلى الطريقة التي يعيش بها الناس اليوم. فمقهى مزيّن بزخارف موروثة قد يقول عن الحياة السورية المعاصرة أقلّ مما تقوله طريقة تفاوض العاملين فيه على أجورهم، أو طريقة تقاسم الزبائن للحساب.
وهذه فرضية عمل لا نتيجة بحث: كلّما اختُزلت ثقافة ما في رموز مرئية، صار أصعب أن نرى المعرفة الكامنة في روتين الحياة العادية.
زوايا نظر مختلفة
يحمل السوريون في المدن المختلفة والأرياف والبلدان الأخرى أجزاءً مختلفة من الصورة. فمن بقي خلال سنوات من الشدّة، ومن بنى حياته في الخارج، قد يتحدّث كلاهما عن معرفة حقيقية، وقد تكون معرفة كلٍّ منهما جزئية. والأجيال تختلف أيضاً؛ فما يعيشه جيل على أنه فقدان، قد يعيشه جيل آخر على أنه النسيج العادي للحياة.
وأيّ بحث جادّ عليه أن يفسح المجال لهذه الاختلافات من دون أن يرتّبها مسبقاً في سُلَّم. وهذا يعني الإصغاء إلى تجارب نادراً ما تظهر في الروايات العامة، بما فيها تلك التي تُربك القصص المريحة.
مَن يحقّ له أن يصف؟
خلف كل رواية عن الهوية سؤال سابق: مَن يملك الصفة لوصف مجتمع ما، وباسم مَن؟ فالدول والمؤسسات الدينية والحركات السياسية والمنظمات الدولية والفنانون والعائلات جميعهم ينتجون أوصافاً لمعنى أن تكون سورياً، ولكلٍّ منهم أسبابه ومصالحه ونقاطه العمياء. فالوصف الصادر من العاصمة قد يبدو عاماً وهو محلي، والوصف الصادر عمّن غادروا قد يبدو بعيداً وهو دقيق في أمور لم يعد المقيمون يلحظونها.
ومن هنا أطروحة عمل: تكون رواية الهوية أجدر بالثقة حين تُظهر المكان الذي تتكلّم منه، وما لا تستطيع رؤيته من هناك. رواية كهذه أقلّ ثقة بنفسها، وأكثر نفعاً.
الذاكرة والفقد والحقّ في التغيّر
أنتجت السنوات الأخيرة فقداً بحجم يجعل أسئلة الهوية مؤلمة لا أكاديمية. فقد اختفت أماكن وأشخاص وأشياء وعادات يومية. ومن المفهوم أن تصبح الذاكرة حامية، وأن يُحَسّ التغيّر فقداً إضافياً. غير أن ثقافة لا تفعل سوى التذكّر تخاطر بتحويل أفرادها إلى حرّاس عليها لا مشاركين فيها.
والسؤال الصعب: هل يمكن تكريم ما فُقد مع السماح للأحياء بأن يتغيّروا، فيتكلّموا ويتزوّجوا ويعملوا ويبنوا على نحو مختلف، ويبقى انتماؤهم معترفاً به؟ لا نظنّ أن ثمة إجابة واحدة، لكننا نظنّ أن السؤال يستحقّ أن يُطرح علناً، في القرى والضواحي كما في العواصم ومدن المهجر.
حدود هذه الحجّة
تستند هذه المقالة إلى الملاحظة والاستدلال، لا إلى عمل ميداني مكتمل، وأمثلتها عامة. وقد تقلّل من شأن تمسّك الناس بالرموز الثابتة في أوقات انعدام الأمان، ومن قدرة الممارسات نفسها على الإقصاء. واختبارها يتطلّب الإصغاء إلى الناس عبر المناطق والأجيال والطبقات والبلدان، والاستعداد لمراجعتها.
ما الذي تسأل عنه هذه المبادرة
لا نسعى إلى تحديد مَن هو السوري الأصيل. ما يعنينا أسئلة أضيق وأكثر قابلية للإجابة:
- ما الممارسات اليومية التي تحمل معرفة نادراً ما يُعترف بها بوصفها ثقافة؟
- كيف يصف الناس انتماءهم حين لا يُطلب منهم أن يؤدّوه أمام الآخرين؟
- أين تصنع المرجعيات المشتركة تواصلاً، وأين تُخفي الاختلاف؟
لن تفضي هذه الأسئلة إلى صورة واحدة. لكنها قد تفضي إلى ما هو أنفع: مفردات أدقّ للحديث عن التغيّر، وفهم أوضح لما يريد الناس أنفسهم أن يحملوه معهم إلى المستقبل.
الوسوم: الهوية، الانتماء، الحياة اليومية